( ديالكتيكا المدن )

( ديالكتيكا المدن )*
 
"كُلّ شيء يُمْكِنُك أَنْ تَتخيّلَه , فهو حقيقية بالنسبة إليك." 
(بابلو بيكاسو) 



ثمة علاقة من نوع آخر بين الإنسان والمكان , ربما يستطيع طرفاً البوح بها لاكنها تبقى كامنة في أعماق الآخر , غريبة هي أحاسيسنا تجاه المدن التي نعشقها , تشبه إلى حد كبير مرافئ الصمت , نرقب أطياف الغروب على أطراف المدينة بكل ما فيها من رائحة الرحيل . رغم عنفوان الوداع الذي ينسج خيوطه في بقايا الشمس, إلا انه قد يكون قرارا سماوياً يشعرنا بالدفء وفيض المشاعر , ربما لأنه قد يمنح ضوء القمر رسم لوحة أخرى في مكان آخر على هذه الأرض.
 يقول " جرير ": 
( قُل للدّيار سَقى أطْلالَكِ المَطَرُ... قد هجتِ شوقاً فماذا ترجعُ الذكرُ)
 أو كما قال :
 ( يا عَينُ جُودي بدَمْعٍ هاجَهُ الذِّكَرُ... فما لدمعكِ بعدَ اليومِ مدخرُ).
 
" رائحة الطين " , ربما تكون أجمل الذكريات التي تبقى في الذاكرة عن أي مكان يغادرنا أو نغادره إذا ما جاء وقت الغروب , ربما يرجع ذلك لتلك العلاقة الوطيدة التي تجمعنا مع الطين من الحياة والى الموت . ولطالما عشق الفلاسفة مشاهدة الغروب من أعلى مكان في المدينة , في تلك اللحظات المتناقضة كتبوا أروع ما جادت به قريحتهم رغم " ديالكتيكا" الغروب التي تعبر عن تلك " المثُل " والتي تمزج بين جمالية المشهد وألم الوداع , لذلك كانت جدلية من نوع آخر , من سيغادر قبل الآخر , الإنسان أم المكان ؟.
 " المدينة " فلسفة لم نطلق لها العنان بعد , لم نعي أنها عبارة عن لوحة فنية تتمازج فيها ألوان الحياة , لا تتحكم فيها الأبجديات الثابتة بمفهومها التقليدي , إنها تعشق السريالية إلى حد النخاع , تمارس التعبير بالألوان عن الأفكار اللاشعورية والإيمان بالقدرة الهائلة للأحلام , ربما هي تتجاهل قيود الريشة أحياناَ , لأنها تعشق الحرية , فالحرية هي الإبداع . والمدن الحرة هي تلك التي يمكن أن تشعر فيها بأحلام "روني ماغريت " و " سلفادور دالي" , أما المدن التي تغرق في السرمدية فهي لوحة تتكسر الإطارات على أطرافها, تنهمك في العيش بلاحدود , تنطلق إلى عالم فسيح لا يوجد في قاموسه مصطلحات " للزوايا " أو" النهايات " . تستلهم عبق طموحاتها من نظرية لا تعترف بأدبيات الهندسة وحساب المثلثات , نظرية تختص بها وحدها تعبر عن " التمرد " على الذات الكامنة في حياة المدن . 
هل المدينة كائن حي , يشعر بأحاسيسنا ؟ ومن يسكن الآخر , هي أم نحن؟ , ربما تكون إجابة هذا الأسئلة جدلية أيضاً , لاكنها فرضية يمكن إثباتها إذا ما منحنا المدينة مشاعر صادقة " من الأعماق " , واستطعنا أن نعبر عن عشقنا لها , وسادت مشاعرنا حباَ متدفقاَ يغلف كل لحظات الأمل التي نعيشها في كنفها, فالمدينة ليست أرصفة صماء ولا شوارع صامتة , بل هي حزمة من الأحاسيس المرهفة والمشاعر الحية , تحس بنا وتشعر بتواجدنا , قد تتحدث إلينا المدينة أحيانا ولاكننا ربما لا نستطيع أن نسمعها , إلا عندما نقرر الرحيل عنها.
 حينما نقرر الرحيل عن مدننا , فنحن نمارس صورة من صور الجدل , تتحكم بنا حينها معادلة متناقضة , فنحن نحب هذه المدن ولاكننا نرحل عنها , أي فلسفة يمكن أن تقنعنا بذلك ؟ وأي منطق يمكنه القبول بهذه الجدلية ؟ , قد نتعمد أن نتجاهل الإجابة عن ذلك , ربما لأننا لانملكها , ولربما لان شاعرية المكان ودلالته الباذخة قد تسللت إلى خيالنا, لأن الرحيل يعني الحب أحيانا , فعندما يحل الغروب على مكان ما على هذه الأرض فهو قد يمنحها السكن والهدوء لتستعيد ذاكرتها , لتعود الشمس بإشراقها في الغد القادم , لتتواصل الحياة من جديد , فالمدن أبدا " لا تموت " .
 

------------------------------------
 
* ( الديالكتيكا ) تعني بمفهوم اللغة العربية " الجدلية " وهي مشتقة من الفعل اليوناني dialegein وهي تعني التقسيم المنطقي الذي يوصل المرء من خلال المقاربة إلى اكتشاف المعاني الأساسية المجردة كما يراها الفيلسوف اليوناني أفلاطون
 .

 

رئيس بلدية محافظة المجمعة
 المهندس بدر بن ناصر الحمدان
 جمادى الآخرة 1430هـ
جميع الحقوق محفوظة بلدية المجمعة© 2013