إدارة المدن .. مسئولية المستقبل !

" معظم أفكاري اخترعها آخرون , ولاكن لم يكترثوا بتطويرها " توماس إديسون

قبل شروعي في الكتابة عن هذا الموضوع بفترة وجيزة حاولت التعرض إلى بعض الكتب والمؤلفات التي 
تناولت المشاركة العامة في التخطيط العمراني وإدارة المدن ، في محاولة لإحداث نوع من التوازن في تحليلي 
لجنبات الموضوع من زوايا متعددة تكفل النظرة الحيادية للنظرية والتطبيق، ولم أكن أتوقع قبل قراءتي 
لبعض الكتب التي تعنى بإدارة المدن أن يكون هناك ثمة أدنى شك في فاعلية مشاركة سكان المدينة في 
إدارتها وتخطيطها، إلا أنني بعد هذه القراءة أدركت أهمية ما يسمى (بثقافة المشاركة) كشرط أساسي لتفعيلها 
ضمن منظومة ومنهجية إدارة المدن بمشاركة سكانها، وذلك لضمان فاعليتها وانعكاسها بصورة ايجابية 
تساعد متخذي القرار بصورة علمية ووفق معلومات صحيحة. وبمعنى أخر يقول 
(Frankly.1985.p.15): "إن المشاركة تعني مشاركة ومساهمة شرعية من السكان وخصوصا 
الجماعات الأقل حظا وللرفع من كفاءة إدارة المدن فلا بد من تحقيق عنصري (التنسيق والمواءمة) بين 
الاعتمادات والموارد المتاحة في إطار البعد الزمني المحدد. أي انه لابد من ترابط وعلاقة واضحة بين 
التخطيط العيني للخدمات الأساسية والتخطيط المالي لمصادر التمويل، وفق علاقة تبادلية فيما يتعلق 
بالتخطيط لإنشاء مشروعات جديدة، أو التوسع بالنسبة للمشروعات الحالية أو التخطيط لأغراض الارتقاء 
وتحسين الخدمات أو التخطيط لمتطلبات التشغيل والصيانة. لازلت أتذكر احد أساتذتنا في الجامعة " د. هوارد
فريدريك " وهو يردد دائما بأن مخططي المدن لا يمكنهم رؤية نتاج عملهم قبل 10 سنوات – كحد أدنى – 
من الانتهاء من تخطيطها وذلك عند اكتمال البنية العمرانية كمنظومة واحدة , لذا فهم مطالبون دائما بان 
يكونوا ذوي نظرة بعيدة المدى ويمتلكون خيالا واسعا ورؤية مستقبلية , ولاكن وللأسف أن مثل هذا القول لم 
يعد منطبقا على ارض الواقع وأصبح التخطيط للمستقبل أمر ثانويا وبات كل منا يعمل في دائرته الزمنية فقط 
وماذا يمكنه أن يقدمه فيها دون اعتبارات مستقبلية للتنمية المستدامة .
عادة ما يقال بأنه لا قيمة لأي نظرية دون أن يتبعها تطبيق عملي ومشروعات عملية، كما انه لا قيمة لأي 
تطبيق عملي أو مشروع ميداني دون أن يستند لنظرية واضحة المعالم متماسكة البناء ذات منطق يؤدي إلى 
استنتاج ونتائج، ويقول (Tung1937): "لو كان لدينا نظرية صحيحة لكنها غير مطبقة، فإنها مهما تحدثنا 
عنها طويلا، ومهما كانت جيدة ليست ذات أهمية ما لم نضعها موضع التطبيق " , ومن خلال تحليلي (لبعض) 
من الرؤى والمقترحات والتحاليل التي تطرح بهدف المشاركة في إدارة المدن من خلال ذلك رأيت أنها بحاجة 
ملحة إلى ربط مع بيئة العمل والحقل المقترح تفعيلها ضمن إطاره العملي، حتى لا تكون بعض من هذه 
المواضيع بعيدة عن الواقع والوضع الراهن وحتى تبنى على معطيات حقيقة مستقاة من حقل العمل وبيئة 
النظام والتشريعات، مما قد يفقد العاملين في حقل العمران الاستفادة الفعلية من بعض من هذه المواضيع 
وذلك لافتقادها ربما وفي بعض الأحيان إلى الآليات التنفيذية الحقيقة مقارنة مع بعض المقترحات التي تعتبر 
بمثابة أجندة عمل حقيقية لكثير من مديري المدن لما كانت عليه من منهجية علمية وعملية بنيت على المعلومة الصحيحة. 
إن المسئولين عن إدارة المدن أحوج لمساعدة المجتمع المحلي - أفرادا ومؤسسات وجماعات - لدعم 
قراراتهم التنفيذية والتخطيطية وذلك من خلال إيجاد الآليات والأدوات الفاعلة للتعامل مع بيئة العمل الحقيقية 
وما تواجهها من معوقات وتحديات ظاهرة وغير ظاهرة سواء فيما يتعلق بالأنظمة والتشريعات أو ظرفية 
المكان والزمان أو أطراف دائرة العمل أو الإمكانيات بأنواعها، أما استنساخ التوصيات المعلنة في كثير من 
الندوات والمؤتمرات بات أمرا تنظيري سئم منه كل من يعمل في الحقل ويواجه الواقع بكل تفاصيله اليومية، 
فإدارة المدن عملية معقدة وتحتاج إلى احترافية عالية في التعامل معها بكل زواياها وجوانبها المختلفة، ولم 
يعد مطلقا أن يقبل بنسج الأنظمة والتعليمات وأجندة أعمال إدارة المدن من فوق الأبراج العاجية أو من خلف 
المكاتب المغلقة – البعيدة عن الحقل - دون اقتحام فعلي للواقع والعيش بداخله، نعم المثالية التي تنسجها 
النظريات وتتبناها الكثير من الرؤى والاقتراحات أمر حتمي ومسار نحو التطوير والنموذج المحتذى لبناء 
المستقبل ، ولكن الأهم من ذلك صناعة البيئة التي يراد بها أن تحتضن هذه النظريات وتلك الرؤى. 
بالرغم من أن إدارة المدن والبلديات من أكثر المجالات التي تلامس حياتنا اليومية وتؤثر فيه إلا أنني لا أجد 
تفسيرا للنقص الكبير في الدراسات العلمية للحالات الدراسية الواقعية سواء من قبل الأكاديميين أو من قبل 
الإعلاميين المتخصصين في الكتابة عن العمران والتنمية، بالرغم أن مجتمعات أخرى تخصص ميزانية كبيرة 
للبحث العلمي في مجال إدارة المدن لضمان توفر منهجية علمية في اتخاذ القرار بعيدة عن الاجتهادات 
الشخصية والرؤى السطحية المبنية من المشاهدات الشخصية دون دلالات وإثباتات تدعم صحتها , لا يكفي 
إطلاقا الإشارة إلى رأي شخصي نحو قضية عمرانية ما أو نشير إلى مقترح بعينه دون إتباع المنهجية العلمية 
للبحث العلمي لإثبات هذه الفرضية أو تلك ، بل إن كثيرا من هذه الرؤى السريعة – الغير مقننة - قد تكون 
سببا في إجهاض الكثير من المحاولات الطموحة لإدارات المدن التي تسعى جاهدة إلى إيجاد منظومة علمية 
وعملية لتطوير أساليب الإدارة وفق معطيات واقعية تتعايش معها، فبعض الرؤى والمقترحات قد تتحول إلى 
قرارا استراتيجيا في توجيه مستقبل المدينة وسوف تكون نتائجها وخيمة إذا لم تكن قد منحت القدر الكافي 
من الدراسة والتحليل والتقييم وسوف يدفع ثمنها الأجيال القادمة بلا شك , إن الاستعجال في بناء القرارات 
المستقبلية واطروحاتها بهدف مجرد المشاركة في إدارة المدينة بات منهجا مرفوضا , بل يجب التروي في 
أي قرار أو مشاركة في صياغة خطط المستقبل لضمان منهجية اتخاذ القرار على المستوى التخطيطي على 
الأقل , و لا يكفي أبدا أن نحلم بان نعبر إلى الجانب الآخر من النهر دون أن نفكر كيف سنعبر، ولا يكفي أن 
نخطط لبناء مدينة دون أن نفكر كيف سنبنيها ومن سيقوم بذلك.
جميع الحقوق محفوظة بلدية المجمعة© 2013